العبودية

تاريخ التحديث: ٤ ديسمبر ٢٠١٩


شاهدت في الآونة الأخيرة مجموعة من الأفلام التي تتحدث عن صراع السود الأفارقة في الولايات المتحدة الأمريكية من أجل الحرية بعد أن تم استجلابهم عبر تجارة الرق واستعبادهم لدى البيض. إن هذه المسألة جعلتني أفكر في سماحة ديننا الإسلامي الذي حرم العبودية موضحا أنه لا يملك أحد من البشر الحق في تقييد إرادة الفرد وسلبه الحق في الاختيار وتقرير مصيره وتأكيدا على مبدأ نبذ الاستعباد جاء في الحديث القدسي: (ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ كُنْتُ خَصْمَهُ خَصَمْتُهُ، ذكر منهم: رَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ) رواه البخاري (2227)، إضافة إلى ذلك فقد شجع الإسلام على تحرير ما تبقى من طبقة الرقيق والعبيد حيث جعل تحرير الرقاب كفارة للذنوب وتقرب لله عز وجل. كما أن الحديث في هذه المسألة تجعلنا نستذكر المقولة المشهورة لخليفة المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه التي وجهها لعمرو بن العاص حاكم مصر قائلا: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا" للوهلة الأولى شكرت وحمدت الله أن مظاهر العبودية والاستعباد قد انتهت.. ولكن عندما تمعنت في مظاهر الحياة من حولي وجدت أن مظاهر الاستعباد أخذت صورا مختلفة. الكثيرون منا يعتقد بأن مظاهر الاستعباد التي كانت سائدة في زمن الجاهلية انقرضت ولكن الواقع الذي نعيشه يظهر عكس ذلك. فمازالت هناك أصوات حول العالم تنادي بحقوق الانسان والقضاء على كافة أشكال التمييز العنصري. فقد لا نرى صك ملكية الأفراد ولكن ظهرت أشكال جديدة للعبودية في زمننا هذا تحت أقنعة مختلفة إذ يظهر تقرير سنوي صادِر عن مؤسسة “ووك فري” أنَّ نحو 36 مليون شخصًا يعانون من أشكال العبودية الحديثة في 167 دولة حول العالم. وقد لفت انتباهي مقالة كتبتها الأستاذة هدير محمد بعنوان مفهوم العبودية الحديثة حيث عرفتها بأنها “امتلاك فرد، أو التحكم فيه بطريقة تحرمه كثيرًا من حريته الشخصية بغرض استغلاله بطرائق شتَّى كاستخدامه، أو إدارته، أو التربح من ورائه، أو نقله من مكان إلى آخر، أو التخلص منه” وفي هذه الخاطرة أود أن أسلط الضوء على ممارسات في حياتنا اليومية لو أمعنا النظر نجد فيها ملامح العبودية المبطنة ففي الأسرة قد نسمع أحيانا قصصا عن تسلط أحد أوكلا الوالدين على أبنائهم واستغلال سلطتهم الأبوية في الاستمرار في تقرير مصائر أبنائهم في مراحل عمرية متقدمة مستغلين في ذلك حب وعطف الأبناء لهم أو العكس حيث يستجدى الأباء عطف أبنائهم عبر الرضوخ لكافة مطالبهم رغبة منهم في تمضية ما تبقى لهم من العمر في كنف أبنائهم، وهناك أيضا في بعض العلاقات الزوجية ملامح الاستعباد والعبودية حينما يتحكم أحد طرفي هذه العلاقة في الحرية الشخصية للطرف الآخر. إن مظاهر العبودية المبطنة في حياتنا تستشري لتصل إلى بيئة العمل حيث نشاهد رب العمل يستغل حاجة مستخدميه والعاملين لديه إلى الأجر الذي يمنحه أو الذي يصرف لهم، فيقوم بالتنمر اللفظي والعملي والجسدي والنفسي لدرجة أن رب العمل يتجرد من إنسانيته متشبتا في السلطة التي باعتقاده أنها تمنحه حق تقرير مصير العاملين لديه فنجده تاره يكلفهم باعباء فوق طاقتهم، وتارة أخرى يحرم العامل أو الموظف من استمتاع بأدنى حقوقه كالاجازات أو الخروج أو التواصل مع أهله أو قضاء حوائجهم والأبشع من ذلك أن يتخذ قرار نقلهم أو فصلهم دون اخطار العامل أوالموظف وكأنه مازال رقيق يباع في سوق النخاسة إن العيش بكرامة حق من حقوق الإنسان ولا يحق لنا أن نستغل حاجة الآخرين للاذلال بهم.. فلنعيد النظر في تصرفاتنا ولنتذكر الحديث الذي على الرغم من ضعفه بسبب عدم اكتمال سنده وانقطاعه إلا أنّ العلماء يشجعون الناس على تذكّره لما يحمله من معنى وهو الحديث الذي رواه أبي الدرداء رضي الله عنه (البِرُّ لا يَبْلَى، والإثمُ لا يُنْسَى، والدَّيَّانُ لا ينامُ، فكن كما شِئْتَ، كما تَدِينُ تُدَانُ) [الألباني: السلسلة الضعيفة]


٣٢ مشاهدة٠ تعليق

أحدث منشورات

عرض الكل