التصالح مع الذات

تاريخ التحديث: ٦ ديسمبر ٢٠١٩

كلنا نبتغي السعادة في حياتنا ولكن مفهوم السعادة مفهوم نسبي يختلف شكله ومعطياته من شخص لآخر، ونجد الكثير منا في سعي دؤوب طوال حياته بحثا عن السعادة كلما وصل إلى نقطة تحقق اشباع ذاتي له فإنه بعد فترة يبدأ بشد الرحال باحثا على مستوى أعلى من السعادة وهكذا.


إن رحلة البحث عن الذات وفهمها خطوة هامة نحو بلوغ الرضا والسعادة، والكثيرين يجدون صعوبة في اتقان هذه المهارة. ولا أخفيكم أنني كنت أمر بتحديات على صعيد حياتي الشخصية والعملية وكنت بسببها أعيش فترة من القلق النفسي والتوتر قد تستمر معي لفترة طويلة، ولكن بعد التوكل على الله وتطبيق مبدأ التصالح مع الذات أصبحت أكثر قدرة على التعامل مع ضغوط الحياة بأنواعها المختلفة.


إن الاحتكاك المستمر مع أشخاص من خلفيات ثقافية واجتماعية مختلفة ساهمت بشكل كبير في تعزيز مهاراتي في التعامل مع الآخرين، والسر الحقيقي وراء ذلك هو نجاحي في التعامل مع ذاتي. في طفولتي كنت غالبا ما أتعرض للسخرية من الطالبات في المدرسة بسبب سمار بشرتي وكثيرا ما كنت أسمعهن ينادونني بالصومالية أو سودانية، إن ما مررت به هو ما يعرف اليوم بالتنمر، ولا أقصد هنا التقليل من شأن هاتين الجنسيتين فهما شعب عريق يستحق كل التقدير. إن هذه المواقف جعلتني أكثر انطوائية لدرجة إلى أن غالبية المدرسات لا ينتبهن لي ولقدراتي إلاّ بعد الاختبار التحريري، وقد استمرت معي هذه الحالة حتى في المرحلة الجامعية حيث تتفاجأ زميلاتي بأن يمتدح الأستاذ اجاباتي في أول تقويم ويبحث عن صاحبة الورقة.

مع دخولي معترك الحياة العملية في مؤسسة كان يطغو عليها الطابع الذكوري دفعتني الظروف وأجبرتني إلى ضرورة تغيير نمط شخصيتي، خاصة وأن التنافس على السلم الوظيفي كان شرس في كثير من الأحيان. كما أن انتقالي إلى العيش في العاصمة واضطراري للاعتماد على ذاتي حتمت عليّ أن أعيد تشكيل انطباعي عن ذاتي وفرضت عليّ الظروف ضرورة تعزيز ثقتي بذاتي وأن أكون أكثر ثقة بقدراتي وعدم الاستسلام للتحديات.


وفي فترة من الفترات كانت المحاولات المتكررة لأحد الزملاء في العمل للتقليل من كفاءتي وقدراتي تسبب لي بضيق وتوتر نفسي أبقى أسيرة له لفترات، وكان هذا الزميل يتفنن في تنمره الوظيفي علي، حيث كلما تمكنت من تجاوز مسلسل التنمر وآثاره النفسية تجمعني متطلبات العمل مع هذا الزميل ليتكرر سيناريو التعنيف وكنت غالبا أتساءل عن دوافعه.


إن اتقان مهارة التصالح مع الذات ساعدتني كثيرا في إيجاد السكينة والسلام الداخلي، وغيرت من نظرتي للأمور من حولي. ظللت لفترة طويلة أفكر وأبحث عن ماهية الأخطاء التي ارتكبتها ليتحامل هذا الزميل عليّ، ولكن عندما وجدت أن الآخرين من الأصدقاء والزملاء من داخل وخارج مؤسستي يشيدون بقدراتي وخبراتي ولباقتي، أدركت أنني أقصوى على ذاتي وأحملها فوق طاقتها. فالمشكلة لم تكن فيني وإنما المشكلة كانت لدى ذلك الزميل الذي لم يستطع أن يتكيف مع فكرة كوني تلك فتاة التي تصغره سنا وأقل درجة علمية والتي لا تقل كفاءة منه إذا لم أتفوق عليه في بعض الأحيان.


عندما أدركت هذه الحقيقة حينها قررت ألاّ أسمح لهذا الوضع بالاستمرار. ومن هنا تيقنت أنه عندما يتصالح الفرد مع ذاته يكون أكثر قدرة على السيطرة على المشاعر السلبية التي تمر به في حياته اليومية. هذا لا يعني أنني أصبحت متجمدة المشاعر، ولكن حالة التأثر بالمضايقات لا تطول كثيرا، متى تعرضت لمثل هذه المواقف أعدت تقييم ذاتي، فإن أيقنت أنني لست المخطئة، طويت الموقف وأخذت منه العبرة المناسبة واستمريت في حياتي دون عكر صفوها.


إن التصالح مع الذات ليست بمهارة سهلة ولكنها أيضا ليست صعبة المنال، إنها تتطلب أولا إدراك الفرد لذاته بمحاسنها وعيوبها وبنقاط قوتها وضعفها، ومن ثم الرغبة الصادقة للتغيير الإيجابي في نمط التفكير (إعادة البرمجة الذهنية). فتحقيق التصالح مع الذات يكون عبر تحقيق الانسجام على صعيدين:

الأول: تحقيق الانسجام الداخلي عبر فهم الذات وتقديرها والتعامل معها بلطف وكأنها شيء ثمين إذ يقول عز جل في الآية رقم 21 من سورة الذاريات {وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ}. إن السبب الحقيقي للتوتر والضيق الذي نشعر به تجاه المواقف المختلفة التي نمر بها هو نتيجة إما للصراع الداخلي الذي نعيشه بين المبادئ التي نؤمن بها ورغباتنا التي لا تتوافق مع الآخرين أو نتيجة جلد النفس وتحميلها وحدها أسباب الفشل. علينا أن نتقبل ذواتنا في السراء والضراء وأن نرضى بما قسمه الله لنا، وأن نتبنى مفاهيم الإيجابية من الابتسامة والثقة بالنفس والتفكير الإيجابي.

الثاني: هو الانسجام مع البيئة المحيطة وذلك عبر الارتقاء بنفوسنا البشرية في التعامل مع من حولنا في الأسرة والعمل والأصدقاء والبيئة المحيطة. والتصالح مع البيئة المحيطة تعني التكيف إيجابا مع الظروف المحيطة بك وهذا يتحقق عندما نجعل تقوى ومخافة الله أمامنا في كل تعاملاتنا. وأقصد هنا النظر والبحث في التحديات التي نمر بها إلى الجوانب الإيجابية لخلق فرص للتقدم النماء.


أعلم أن البعض قد يعتقد أن ما طرحته فلسفي وغير واقعي، ولكن أجزم لكم وعن تجربة شخصية أيقنت أن قرار السعادة والرضا بيدي وتعلمت كيف أوازن بين تطلعاتي وأهدافي الشخصية وبين الظروف المحيطة. التصالح مع الذات واحدة من المهارات الحياتية الأساسية التي نحتاج إليها من أجل الاستمتاع بكل ما حولنا وهناك بعض الأدوات التي يمكن أن نضمنها في حياتينا اليومية والتي من شأنها أن تخفف من حدة التوتر والقلق في حياتنا، وهذا ما أكد عليه الكاتب والمؤلف أمريكي ستيفن كوفي في نظرية التي يقول فيها أن 10% مما يحدث في حياتنا خارج عن سيطرتنا أما 90% مما يحدث في حياتنا هو نتاج ردة أفعالنا تجاه الموافق الخارجة عن سيطرتنا.

إن إجادة هذه التصالح مع الذات وسيلة هامة نحو الإيجابية والسعادة، وإذ ما اهتممنا في زرعها لدى أبنائنا منذ الصغر فإنها ستجعلهم أكثر قدرة على التكيف مع ظروف الحياة وأن يعيشوا حياة سعيدة ومتزنة.

٦٩ مشاهدة٠ تعليق

أحدث منشورات

عرض الكل